ظاهرة قيس سعيد: المثالية والواقعية

#ظاهرة_قيس_سعيد : المثالية و الواقعية،
الجزء1 و 2

الثورة و المقاومة في حقيقتها مثالية،هكذا يعلمنا التاريخ حيث كانت جميع المقاومات و الثورات خروج عن حسابات الواقع المادي و كان ينظر الناس إليها في بدايتها على انتحار او مغامرة في المجهول،و كانوا يرون فيها تهديدا لمعادلات ثبتت لزمن و توافق عليها الناس و حتى اذا وترهم ظلم الواقع فإنهم يخافون أن تكون الثورة عقيمة و تزيدهم بؤسا على بؤس،
و قيس سعيد هو ظاهرة ثورية و مقاومة،لكنها ثورة جديدة مختلفة عن الثورات السابقة بحكم اعتمادها على الانتخابات الرئاسية،و عمق الانتماء إلى عالم المعنويات.
#من_أقصى_المدينة
بعد 8سنوات من التجارب القيادية في تونس و مشاركة التيارات السياسية الرئيسية،و ظهور حالة من التخبط القصوى في النخبة الحزبية و كاد الشعب التونسي أن تصيبه حالة مطلقة من اليأس و الإحباط،يختار قيس سعيد ان يبدأ رحلته من الحلقة الأضعف حسب دستور 2014،وهي رئاسة الجمهورية حيث يفترض بمن يرغب واقعيا في التغيير الكبير أن يبدأ من البرلمان،
و أختار ان يقدم خطابا مختلفا جذريا عن الآخرين،استعاد فيه شعارات الانتفاضة الشعبية التونسية “الشعب يريد “في لحظة تنكرت فيها غالبية الأحزاب و المزاج العام لتلك الشعارات و بلغ الأمر بكثيرين حد الرغبة في استعادة النظام القديم،و تعالت اصوات اخرى تسخر من حدث الإنتفاضة و تنسبه الى الكيان الصهيوني و الإمبريالية الأمريكية،
قيس سعيد المرشح المستقل الفاقد لأي دعم حزبي او جهوي او مالي او اجتماعي يشق طريقه إلى قلوب التونسيين بصدقه و نظافة يده و يرفض مطلقا ان ينظر إليهم على أنهم بطونا جائعة محرومة،يشتريها برغيف خبز مسموم،
#الأبعاد_المعنوية
أن الواقعية في عمقها هي معرفة الواقع و التسليم للقوانين و المعادلات الثابتة و الطبيعية،و من أهم عناصر هذا الواقع التي يتم العمل على إنكارها او الغفلة عنها اثناء صناعة القرار السياسي،هذا العنصر هو أصالة القيم الأخلاقية و المعنوية،
أن الكرامة و الحرية و العدل و الحق لها واقعية و لها تأثير فعلي في حياة الإنسان،يمكن أن تضعف واقعيتها أحيانا بسبب هيمنة الفساد و الظلم و لكنها لا تموت،و القرآن الكريم يستعمل مصطلح”الفطرة”:
“فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله”
” و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها”
و جاء في حكمة الإمام علي ” لا تكن عبد غيرك و قد خلقك الله حرا “.
و الأمر بسيط و واضح حيث لو كانت هذه القيم قابلة للموت لما استعاد ملايين العبيد حريتهم بعدما عاشوا قرونا طويلة في غل العبودية و الرق،
أن النظر إلى الأبعاد المعنوية في ظاهرة قيس سعيد هو المدى الأعمق في التعامل معها و منحها الفرصة الكاملة حتى تحدث التغيير الكبير في تونس و في العالم :
1- الأخلاق و السياسة
يذهب كثيرون من الفلاسفة و الساسة إلى تثبيت التناقض بين الأخلاق و العمل السياسي،حيث ترتبط السياسة بالمؤامرات و الدسائس و خيانة الاتفاقات و الكذب،و تتلخص في قاعدة ماكيافيلي الغاية تبرر الوسيلة،و قد اختلطت المقاييس فتشابهت الامور،إلى درجة اختلط فيها الحق بالباطل،حيث يتم الجمع بين شرعية الخدعة في الحرب و بين حرمة خيانة العهد،و ترويج الأكاذيب.
و قد ترسخت هذا الاسلوب الظالم في السياسة بما تمارسه القوى الكبرى في العالم من سياسة الغطرسة و سياسة تدمير ممنهج معلن للقيم الإنسانية فهم يؤسسون سياستهم على نقض المواثيق و العهود و ممارسة العدوان على الشعوب المظلومة ثم ممارسة صناعة الكذب المستمر و التضليل الذي يغطي على تلك الجرائم و لعل مثال الكيان الصهيوني و ما يلقاه من دعم مستمر أفضل الأدلة على هذا السقوط الأخلاقي المدوي،
و قد استسلمت البشرية لهذه القوة الاستكبارية الظالمة، و قبلت بمقاييسها.
و قد كانت الممارسة السياسية في تونس امتدادا لهذا النظام العالمي،و انخرط الجميع في عملية تجريد قصوى للسياسة من أي قيمة أخلاقية،حيث السياحة البرلمانية التي ارتبطت بالمال السياسي و حيث التطبيع مع المفسدين و الفاسدين،و حيث الوعود الزائفة و حيث الانقلاب المستمر على المواقف،و حيث الخضوع لإملاءات الظالمين،
و قد فاجأ قيس سعيد الشعب التونسي و نخبه السياسية المختلفة،
–يتقدم المرشح سعيد بتسمية جديدة فحملته ليست انتخابية يطلق فيها الوعود التي يعرف الشعب أن غالبيتها زائفة كاذبة،و إنما قرر تسمية حملته بالتفسيرية،حيث يعتبر أن المطلب الأساسي هو وضع قوانين تمكن المواطن من ممارسة إرادته و تفعيلها في محاسبة كل مسؤول.و هو المرشح الذي رفض استلام أي مبلغ من الدولة للقيام بحملته التفسيرية (الانتخابية) و التزم بذلك في الدور الأول و الثاني ،و بلغ السلوك الأخلاقي قمته عندما قرر الامتناع عن القيام بحملة انتخابية بسبب وجود منافسه السيد نبيل القروي في السجن،رغم تأكيده على للمرشح المنافس قناة إعلامية كاملة تقوم بالاشهار له،
و قد انعكست هذه الروح المعنوية العالية على منافسه المباشر في الدور الثاني فانجذب لها و وجد نفسه في آخر المناظرة التلفزية يعلن أمام ملايين المشاهدين أن قيس سعيد رجل نظيف و ليس لدي ما أقول فيه.
سيواجه قيس سعيد وضعيات كثيرة داخل الفضاء السياسي الجديد يشتد فيها التناقض مع الأخلاق،و سيظهر فيه مدى عمق التخلق و عمق المعنوية في سلوك الرئيس التونسي الجديد، و سينتظر منه التونسيون قدرة على ابتكار الآليات و الحلول الذكية التي تثبت المصداقية الأخلاقية و الذكاء المنضبط للقيم،و مع كل خطوة ينجزها قيس سعيد في خط التوحيد بين القيم و النجاعة،فإن الشعب التونسي سيزداد ولاء و حبا و عشقا له،
و سنشهد فصولا غريبة لقصة حب تفوق خيالنا كما عبرت أحلام مستغانمي” الشعوب العربية كلها ليلى تنتظر قيسا”
أن الشعب التونسي متعطش إلى رمز يسمح له بتفجير طاقات العظمة المكبوتة في داخله،
2- تحطيم المعبد الرأسمالي الجديد،
توجد معارك رمزية كبرى على مستوى العالم،وهو ما عبر عن إحداها فوكوياما بكلمة ” نهاية التاريخ”حيث تخضع البشرية كلها لنظام رأس المال،و مظهره في العملية السياسية الديمقراطية أن تصبح أصوات المواطنين التي تعكس إرادتهم،سلعة لها ثمن معين يمكن أن يزيد او ينقص،و يكفي لمجموعة رؤوس أموال ان تقوم بصناعة الرأي العام،
و تقوم الرأسمالية منذ سنوات بتجارب جديدة في تصنيع الثورات الملونة و تحويل مطالب الشعوب المحقة في العدالة و الحرية و الكرامة إلى وسائل جديدة لتثبيت الرؤية الرأسمالية المادية،
هذا المعبد الرأسمالي يجبر المواطنين بطريقة ناعمة على التسليم النهائي و الخضوع لهذا الإله الجديد : اله المال واله الإعلام المرتبط بالمال و تجار الدين الجديد،
تجربة قيس سعيد في دلالاتها الرمزية تعتبر قصفا غير مسبوق لهذا المعبد،
استطاع المرشح المستقل الذي لا يملك وسائل إعلام ضخمة تشبه منافسيه،و لا يملك حزبا قويا يدعمه و رفض مجاملة النظام الرأسمالي في أهم القضايا الوطنية (السيادة و مناهضة الصهيونية و مناهضة التدخل الأجنبي في مجال القيم العامة)،استطاع أن يشق طريقه ضمن لحظة تاريخية اجتمعت فيها عوامل كثيرة تراكمت و تفاعلت.
لقد حكم قيس سعيد على عمالقة المال أن ينحنوا و يعلنوا هزيمتهم أمام الإنسان،و يمكن أن نفهم حجم الغضب عند بعض الوجوه الإعلامية المرتبطة بالمعبد الرأسمالي،لأن عصا موسى ابطلت سحرهم و حكمت على شعوذاتهم كلها بالموت و الخسارة الكبرى،

يتواصل البحث في الموضوع